الأخبار العقارية والاقتصادية

العقارات في رام الله والبيرة.. جــُن جنونها

التنامي والتطوير المتسارع في بناء المؤسسات سعيا لبناء الدولة المنتظرة، أمر دفع ثمنه المواطن الفلسطيني، خاصة في مدينتي رام الله والبيرة اللتين أصبحتا مركزا رئيسيا لغالبية المؤسسات الحكومية والخاصة، بل إنها غدت هدف المقاهي والمطاعم ذات الأسماء العالمية، وأصبحت وحسب تعبير بعض الفلسطينيين “العاصمة المؤقتة”.
لا بد وأن التأثير والتغير الكبيرين خلال فترة زمنية قياسية طال مناحي مختلفة من الحياة كان من أبرزها أسعار العقار، والتي أجبرت العديد من المواطنين على إعادة التفكير بحساباتهم وأربكت ميزانياتهم المحدودة بمصدر دخل متقطع في بعض الأحيان.

ارتفاع ملحوظ مقارنة مع بقية المدن

“الأسعار في رام الله والبيرة ارتفعت واختلفت عن غيرها من المدن، هذا ما سبّبه تركز جميع المؤسسات فيها، فتغيرت أسعار الأراضي والسكن بل أن ذلك أثّر أيضا على العملة المتداولة في المدينتين فأصبح “الدولار” متداولا كثيرا ” هذا ما قاله المواطن عقيل عبد العزيز، الذي يعتقدّ أن تركّز الأجانب في المدينتين ساهم أيضا في هذا الارتفاع خاصة فيما يتعلق بأسعار السكن.
القفزة في أسعار العقار هذه لم تكن ملاحظة من الموظفين أو الشارين أو المستأجرين فقط وإنما أيضا من أصحاب الأملاك والوسطاء العقاريين الذين يساهمون في بيع هذه العقارات. الوسيط العقاري ع.ش اعتبر هذا الارتفاع يندرج في إطار أن “رام الله أصبحت العاصمة الاقتصادية” وأضاف بأنها مدينة متعددة اجتماعيا أي أنها أصبحت تضم مواطنين من مختلف المدن الفلسطينية، ورأى أن هذا التعدد ساهم في جعلها وجهة للجميع.
من جانب آخر، فقد بين أن سبل وفرص النجاح في رام الله تفوق على غيرها من المدن، خاصة فيما يتعلق بالمشاريع الاقتصادية وفرص العمل وبالتالي هذا يجعل للعقار سبيلا مفتوحا فيها. وذكر أن “أسعار العقار في رام الله فيما يتعلق بالسكن تتراوح بين 60 ألف و300 ألف دولار” ، موضحا أن الأسعار تختلف باختلاف المنطقة أكانت بالماصيون أو الطيرة أو بيتونيا وغيرها من المناطق. لكن فيما يتعلق بالأراضي، أشار إلى أن سعر المتر الواحد يصل إلى 1000 دولار.
وأضاف: “بالتأكيد يعتمد السعر فيما إذا كانت الأرض تجارية أم لأغراض أخرى، ففي حال كانت تجارية قد يصل سعرها إلى مليون أو مليوني دولار”، مشيرا إلى أن ما خفف من حدة ردة الفعل لارتفاع أسعار العقار هو  التسهيلات البنكية والقروض المقدمة والتي امتدت أيديها بخفة إلى جيوب المواطنين بعد إقناعهم بالتسهيلات المقدمة للحصول على هذه القروض واستحداث خانات خاصة وتخصيصها تحت مسميات “قروض السكن” على سبيل المثال لا الحصر. هذا الواقع لم يترك خيارا للمواطن سوى الرضوخ له خاصة بالنسبة للمواطنين الذين يأتون من مدن أخرى إلى رام الله بشكل يومي للعمل.
إلا أن هذه القروض لم تغير الحال كثيرا بالنسبة للمواطنة شادية عبد الله والتي وأسرتها اكتفت باستئجار المسكن لا شرائه، فتقول: “لم نشترِ منزلا لأن الشراء أصبح ضربا من المستحيل ضمن إطار الغلاء هذا”، كما تضيف: “ليس هذا وحسب بل أنا وزوجي وكموظفين في القطاع الحكومي لن نستطيع شراء منزل إلا من خلال قروض البنك، وتقسيطها على عدد كبير من السنوات قد يمتد إلى 15 سنة أو أكثر ما سيضطرنا إلى دفع مبلغ كبير للفائدة المترتبة على القرض وبالتالي فإن سعر المنزل مع غلائه سيزداد غلاء”.

تركز مقرات السلطة في رام الله يرفع الأسعار

المحلل الاقتصادي “إبراهيم أبوهنطش” وضّح أن أسعار العقار تتحدد بمجموعة من العوامل منها: أسعار مواد البناء، وأجور العمال، وأسعار الأراضي التي قد يتم بناء عقار السكن عليها، وهذه جميعها ارتفعت نسبيا في رام الله  أكثر من باقي المدن. كما اتفق مع غيره من الآراء في أن زخم المؤسسات الحكومية والخاصة في رام الله جعلها خيارا أول للبحث عن فرصة عمل بأجر جيد يرتفع عما هو عليه في محافظات أخرى.
بالإضافة لذلك فإنه ولتعويض فارق التكلفة في الإنتاج فيما يتعلق بالسكن فإن المالك يقوم برفع السعر حسب ما بيّن أبوهنطش. وعلى الرغم من وجود كمية كبيرة من العرض على عقارات السكن، إلا أن كمية الطلب أيضا كبيرة.
ويعزو أبو هنطش السبب في ذلك إلى أن العرض موازٍ للطلب أي أن ما هو معروض لا يلائم احتياجات المستهلكين سواء من حيث المواصفات أو من حيث السعر هذا بدوره سبب ما يسمى “العجز” ووجود عدد كبير من الشقق الفارغة في الوقت الذي توجد فيه كمية طلب كبيرة.
الوسيط العقاري عبد العورتاني اتفق مع غيره من الآراء ورأى أن السبب الرئيسي لارتفاع العقار يتمثل في “تركيز قيادة السلطة الفلسطينية إقتصاد الضفة الغربية في رام الله، وجعلها مقرا رئيسيا للمراكز الحكومية حتى أصبح ابن الجنوب أو الشمال يتوافد إلى رام الله من أجل إيجاد فرصته في العمل التي لم يعد بإمكانه أن يجدها في منطقته”.
توجه نحو الاستملاك
ويرى عورتاني أن هذا ساهم في توجه الأفراد إلى التفكير في شراء العقار وخاصة المسكن في رام الله وذلك لأنها ستكون أوفر بالنسبة له من الاستئجار بحيث اذا قام الموظف بعمل مقارنة بين أن يقوم بدفع إيجار لا يقل عن 600 دولار شهريا، أو تقسيط مبلغ لشراء شقة عن طريق البنك فسيخلص إلى نتيجة مفادها أن الشراء أفضل، كما أنه في ذلك “راحة له من تكاليف ومشقّة المواصلات اليومية” على حد تعبيره.
ويمكن القول إن هناك إجماعا في الرأي بين كل من المحللين الاقتصاديين، والوسطاء العقاريين على أن هذا الارتفاع لم يؤثر على عمليه الطلب على العقار، بل إن الطلب مستمر وكذلك فهناك استمرار في عملية العرض وإنشاء مشاريع ضواحي الإسكان هذه التي قامت في الفترة الأخيرة والتي يقول العورتاني إن عدد الشقق المعروضة منها “لا تقل عن 5200 شقة.
اختلفت الآراء وتنوعت فيما يتعلق باقتراح حلول لـ “جنون أسعار العقار” في رام الله والبيرة، مواطنون اقترحوا أن تساهم الحكومة في ذلك من خلال إيجاد وسيلة تعاون مع البنوك مثلا ومنح المواطنين قروضا بفوائد قليلة. الاقتصادي أبوهنطش اقترح أن تقوم الحكومة بعمل تسوية للأراضي ما سيؤدي إلى اعتدال سعرها الأمر  الذي سيقلل من تكلفة البناء عليها وبالتالي تتحسن أجرة العقارات وتعتدل أسعار بيع المساكن. كما دعا إلى أن تتعاون المؤسسات ذات العلاقة بعمل سياسية لرفع وعي المواطن حول أهمية الإدخار من خلال التوفير في مساحة الشقق التي يطلبها المواطنون خاصة أن الغالبية يفضلون مساحات كبيرة على الرغم من عدم استفادتهم منها.
مما يخلص إليه القول إن “جنون أسعار العقار” في رام الله والبيرة استنفذ جميع القوى المالية لساكنيها، بل لم يعد بالإمكان إيجاد من لم يقع من المواطنين في شباك القروض والديون من أجل توفير مسكن ملائم، وما يثير الخوف هو أنه وباستمرار انتفاخ الأسعار في رام الله كما هي عليه الآن قد يقود بالمواطن إلى أن يقف عاجزا أمام توفير حتى متطلباته الأساسية لعيش كريم.