الحرف والمهن

صناعة الفخار في فلسطين

تعد صناعة الفخار من الصناعات القديمة والعريقة في فلسطين وتُشكّل جزءً من التراث الفلسطيني ، إذ يعود تاريخ نشأتها إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وما زالت صناعة الفخار تحظى بالاهتمام حتى الآن عند البعض، كما انها من أقدم المصنوعات الشعبية.

كانت صناعة الفخار تُمثّل حاجة ماسة للمجتمع، وبالرغم من قدمها وأهميتها في تلك المرحلة، إلا إن جيل اليوم، ترك هذه الحرفة تختفي من حياته، كما ان المهتمين بصناعة الفخار منهم من توفاه الله ومنهم من تركها لكبر سنه ولعدم قدرته على إحيائها من جديد.

ناصر الحديدي (49 عاما) من نابلس من المهتمين بالتراث، وصف صناعة الفخار بأنها من اهم الحرف التي اندثرت في السنوات الأخيرة الماضية.

يقول الحديدي في مستهل كلامه بان مهنة بيع الفخار متوارثة ابا عن جد وان والده عمل بها منذ 52 عاما.

واضاف بأن حرفة الفخار قد أصبحت متوارثة بين العائلات رغم مضي السنين وتعتبر مدينة غزة من أوائل المدن الفلسطينية التي قامت بصناعة الفخار، وتبعتها مدينة الخليل ثم مدينة طولكرم، ففي مدينة غزة سمي حي كامل بحي الفواخير، وفي مدينة الخليل سميت عائلة باسم هذه الحرفة وهي عائلة الفاخوري، حيث توارثت هذه الحرفة أبا عن جد.

وحول مستقبل مهنة صناعة الفخار قال الحديدي: “تتزايد مخاوف قدامى العاملين في المهنة من انقراضها، بسبب نفور جيل الشباب من العمل، فالبعض ذهب باحثا عن الوظيفة، والبعض يعتبر حرفة الفخار صعبة بالنسبة له، وهذا الأمر ادى إلى تدهور هذه الصناعة في فلسطين” .

ومع بروز التطور الصناعي والإنتاجي، بدأت الصناعات الحرفية التقليدية تشهد تراجعاً ملحوظاً أثر تطور الصناعات الحديثة فبدأ الركود يشوب صناعة الأواني وبقي عدد بسيط من الصناع المهرة يحاربون من أجل بقاء حرفتهم وحرفة أجدادهم.

وأضاف الحديدي الان بشراء الجرار والأباريق والقطع الفنية وبعض الأواني التي تستخدمها السيدات لوضع الزينة بداخلها من الخليل وجنين وطولكرم، وهناك عودة حاليا للماضي لاستخدام الفخار في الطبخ لافتا إلى أن الأواني الفخارية استخدمت لأغراض شتى كتخزين الحبوب والمواد الغذائية والسوائل.

انواع الفخار وطرق تصنيعه

وبين الحديدي أن الفخار يقسم إلى ثلاثة أنواع: الفخار الأحمر الذي استخدم في الماضي لبناء البيوت ورصف الأرضيات، والفخار الأحمر الخزفي واستخدم لتغطية الجدران والأرضيات، والفخار الأبيض وهو أرقى أنواع الفخار وامتنها وأقلها كثافة يصنع من عجينة طينية ثانوية بيضاء اللون وعالية الانصهار وتشوى في درجات حرارة عالية .

وحول طريقة صناعته، أوضح أن العمل بالفخار يمر بمراحل عدة أهمها المرحلة الأولى التي يتم فيها نخل وتنقية التراب الذي يتم إحضاره من معامل السيراميك من الشوائب بواسطة غربال يدوي ثم نخلطه مع الماء بالعجانة للحصول على عجينة لينة مرنة نستطيع أن نصنع منها الأشكال التي نريدها، وتأتي بعد ذلك مرحلة التجفيف ثم الشواء بالفرن بدرجة حرارة لا تقل عن 800 درجة مئوية ثم نعطي الآنية أو القطعة اللون الذي نرغبه حسب السوق.

استخدامات الفخار قديما وحيثا

كان الفخار المادة الأساسية التي يستخدمها الإنسان في صناعة الكثير من مستلزمات الحياة كأواني الغذاﺀ وحفظ الماء والزيت والعسل واللبن والمربى والسمن وللطبخ وتقديم الطعام .

أما اليوم فغدا فقط محصورا في صناعة أواني الزهور وتحف الزينة وديكورات المنازل والفنادق السياحية، حيث ترسم عليها النقوش الفلسطينية بشيﺀ من الإبداع الفني بعد تلوينها، كما يتم ايضا استخدام الاواني الفخارية مثل الزير والاباريق لحفظ مياه الشرب.

فوائد الفخار

يمتاز الفخار انه يبرد الماء بدرجة يتحملها الجسد بعكس التبريد في الثلاجات، فتبريده خفيف ويتأقلم بسرعة مع جسم الإنسان، كما أن أواني الفخار المطلية أفضل للطبخ لأن رماد الفحم يتبلور إلى الكريستال، فيمنع التأثر السريع بالنار فتصل النار خفيفة ويطهى الطعام ببطء مما يساعد على حفظ الأنزيمات والفتيامينات فيه.

ولا ترتفع درجات الحرارة في الطنجرة إلى مستويات عالية فتكون النكهة أفضل. كما إنه إذا أضيف اللبن إلى الطعام لا يتأكسد، ولذا نجد في المختبرات الطبية الهامة في العالم تحفظ أكثر المواد الطبية في أوعية من الفخار، لأن المواد الطبية تتأثر بالضوء والرطوبة والفخار عازل لهما.

ولمادة الفخار طبيعة عامة وهي مقاومته للعوامل الطبيعية بعكس المعادن التي تتأكسد مع الضوء والرطوبة والهواء، فلا تثبت أمام تقلبات الطبيعة بعكس الفخار الذي لا يتأكسد ولا يتفاعل مع الكالسيوم ولا تفتته الأحماض الموجودة في الهواء ولذا حمل إلينا الفخار آثار الشعوب القديمة.

فصناعة الفخار مهنة لا تشيخ رغم تراجعها، ومتجذرة في فلسطين وارتبطت بالحضارات والاقوام التي عاشت في فلسطين كالبيزنطية والرومانية وجزء من الهوية الوطنية الثقافية الفلسطينية. كما ارتبط الفخار بعمليات التنقيب عن الاثار وعثر على قبور مصنوعة من الفخار على النمط المصري في تل العجول بالقرب من وادي غزة يعود تاريخها الى 1200 سنة قبل الميلاد. ولا يخفى على أحد أن هناك صناعات انقرضت تماماً، ودخلت المتاحف للعرض فقط، والتقدم التكنولوجي جعل الكثير من الحرف والمهن الشعبية تعاني وتواجه خطر الانقراض، ما يجعل المحافظة على التراث واجباً وطنياً.

يشار الى ان قبل قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994 كان هناك نحو 29 مصنعاً لصنع الفخار، يعمل بها نحو 80 عاملاً، أما الآن فقد تقلصت إلى 10 مصانع، فقط يعمل بها 50 عاملاً. ويعمد الاحتلال الاسرائيلي إلى إغراق السوق الفلسطينية بمنتجات فخارية مصنعة تحارب بها الصناعة التقليدية الدالة على عمق التراث وعراقة الحضارة.