الأخبار العقارية والاقتصادية

مياه مدينة نابلس العادمة تدمر الزراعة وتهدد السياحة في المنطقة الشرقية

قبل نحو 20 سنة، كان الاهالي في قرى الباذان والنصارية والعقربانية والخرب الزراعية المجاورة والتي تعتبر سلة الخضار والفواكه في شمال الضفة، يصطادون الاسماك من المياه العذبة التي كانت تتدفق عبر الوادي الذي يخترق قراهم ويواصل مسيره نحو بقية الاغوار.

لكن الوادي الجميل الذي كانت تتزين حوافه بالنعنع البري واشجار العليق والصفصاف والبوص، بات اليوم وبالا على المنطقة وتهديدا صحيا وبيئيا خطيرا على السكان بعد ان تحول الى شلال من المياه العادمة المتدفقة من مدينة نابلس .

ويقول سكان هذه المناطق انهم كانوا يستخدمون مياه الوادي في السابق للشرب وسقي مزروعاتهم ومواشيهم، ومنها ايضا كانوا يصطادون الاسماك الصغيرة وفي ذلك متعة الصيد، وقيمة غذائية وتوفير مادي.

بدأت المياه العادمة القادمة من مدينة نابلس عبر وادي الساجور بالتسلل رويدا رويدا لتختلط بالمياه العذبة المتدفقة من ينابيع الباذان، وزاد حجم المشكلة سنة بعد اخرى.

ويوضح اهالي المنطقة انهم استشعروا الخطر منذ البداية، وعلت اصواتهم مطالبين بلدية نابلس والجهات المختصة بعلاج المشكلة منذ بدايتها وعدم الانتظار حتى يتحول الامر الى كارثة، مشيرين الى ان مطالباتهم كانت مجرد صرخة في واد لم تصل آذان المسؤولين.

ويضيف الاهالي، انهم تلقوا الوعود تلو الوعود من بلدية نابلس والجهات الحكومية ذات العلاقة، وقيل لهم ان هناك مشروعا لاقامة محطة تنقية في المنطقة الشرقية الامر الذي من شأنه ان يحل المشكلة جذريا، وبالتالي فقد استبشر الاهالي خيرا، وتجدد الامل لديهم بالتخلص من هذه المشكلة التي نغصت حياتهم ودمرتهم اقتصاديا.

ولم يمض وقت طويل حتى اتضح ان مشروع محطة التنقية الشرقية بات في حالة موت سريري، اذ اصطدم بعقبات كثيرة من بينها رفض سكان قرى شرق نابلس وتحديدا عزموط وسالم ودير الحطب لاقامة هذا المشروع بالقرب من مناطق سكنهم تخوفا من مكاره صحية ومشاكل بيئية قد تهددهم .

وتبددت آمال سكان القرى المتضررة من المياه العادمة مجددا بايجاد حل قريب، ويوما عن يوم يزداد حجم المشكلة، فالوادي الذي يتفرع الى قناتي ري اسمنتيتين، واحدة تغذي قرية النصارية، والاخرى تغذي قرية العقربانية، اصبح ناقلا فقط للمياه العادمة، واصبح المزارعون غير قادرين على الاستفادة من القناتين اللتين تم انشاؤهما قبل عدة سنوات وكلفتا ملايين الدولارات، بل ان وجود قناتين مليئتين بالمياه العادمة في المنطقة بعتبر بمثابة قنبلة صحية موقوتة.

مزارعون كثيرون في المنطقة توقفوا عن الزراعة بعد ان فقدوا مصدر المياه المجاني المتمثل في مياه الينابيع قبل تلوثها، وبالتالي فقد فقدوا مصدر رزقهم، خاصة وانهم غير قادرين على شراء المياه لمزروعاتهم من بعض الابار الارتوازية التي لا تكفي اصلا الا لري بعض المساحات .

مزارعون آخرون واصلوا زراعة اراضيهم حتى باستخدام المياه العادمة ، مؤكدين ان الذنب ليس ذنبهم وان على بلدية نابلس والجهات الحكومية ذات العلاقة العمل من اجل منع وصول المياه العادمة، وليس الطلب من المزارعين التوقف عن الزراعة.

محافظ نابلس التفت مؤخرا الى هذه المشكلة، فاصدر تعليماته بمنع المزارعين في المنطقة من استخدام المياه الملوثة لري مزروعاتهم واشجارهم تحت طائلة العقاب.

وتؤكد الغالبية العظمى من المزارعين انهم مع قرار المحافظ، وان استخدام المياه العادمة لري المزروعات انما يحمل مخاطر كبيرة تتعلق بصحة الناس، لكنهم في المقابل يريدون حلا للمشكلة التي يدفعون ثمنها لوحدهم رغم انهم لم يتسببوا بها بل تضرروا منها.

اضرار المياه العادمة المنسابة عبر وادي الساجور لم تضر بالقطاع الزراعي فقط، وانما امتدت لتطال القطاع السياحي وتحديدا في منطقة وادي الباذان التي تعتبر من اهم المتنفسات السياحية في شمال الضفة، فالكثير من المنتجعات السياحية موجودة على ضفاف الوادي الذي كان يوما ما يفيض بالمياه العذبة، ولكنه يحمل معه اليوم المياه العادمة والروائح الكريهة التي بات تشكل عامل طرد وليس جذبا سياحيا.